مِن العَائِلة

حينما أريد أن أمازح أمي أو أن أستثير ضحكها الغالي، مثلا إذا استقدمتُ شيئا إلى بيتها كيلا أزورها وأنا "طويل  " أو حين أهدي لها هدية، فتقول بلسانٍ مِن زهد الأمهات: "مالك أولدي شقيتي راسك؟" فأقول لها "ودَابَا حِيتْ نْتِ مْنْ العائلة..." أو أقول "كُونْ ما كنتيش مْن العائلة..." أو " حِيت جيتي مْن العائلة..." حسب السياق، فتضحك ويضحك مَن حَضَر، قريبا أو غريبا، حينها أو بمجرد ما يعي أنها دعابة تخفيها نبرتي الجادة الموقوتة وظاهري الجاد عادة.
ترى ما علة ذلك الضحك؟
مكر الإشارة الخفي المضمر حين تعبث العبارة بالبداهة وتدغدغ أشرف رابطة إنسانية، رابطة الأمومة والبنوة، ثم ظاهر الجد في القول، يقعان من نفسها ومن نفوس الحاضرين موقعا لا يحتمل إلا الضحك معجلا أو مؤجلا ودون إخلاف في كل مرة أردد مزحة غرابتُها لا تنضب.
"وهل الأم من العائلة؟؟؟ هكذا وفقط؟ هل يعقل؟ بل هل يُشعَرْ؟تصورْ... الأم من العائلة!
ولأن الأم هي العائلة بل "الأمُّ العائلةُ" دون واسطة من ضمير فاصل منفصل، لا يمكن أن يكون خطابي إلا ضحكا وانبساطا وإلا... فهو مأساة عافانا الله. الأم لحمة وسدى وروح الجمع وهي أحق بصحبة من صحب.
في مستوى آخر من مستويات الوجود، تحضرني هذه الدعابة فأبتسم كل مرة، وذلك كلما تابعت توك-شو  مغربي. قلت توك-شو لأن برامجنا الحوارية لا ترقى إلا قليلا لمستوى الندوة، وتجد فيها غالبا "مناضلين" يُرْغـُونَ صابون الحسابات بينهم، مهووسين بتسجيل المواقف وبنضالية من أجل قضية حقيقية أو وهمية، فيتكلمون كلاما شبه علمي يعبئ ويحشد في عجالة، كأنهم دائما في ربع ساعة أخيرة من مداولة قضية.
فتحضرني الدعابة خلال التوك-شو لأن المناضل ذات اليمين وذات الشمال لا يعدم أن يذكر الإسلام ويتكلم عنه كأنه... من العائلة. وفقط مِنْ...
المناضل "الإسلامي" الذي صار باليميني التاريخي أشبه يستعمل كلمةً معقمةً بل معدلةً جينيا اسمها المرجعية. "ولأن المرجعية... وهذا مساس بالمرجعية... والمرجعية تقتضي..." ويمكث يردد الكلمة على استحياء أو خوف، ظنا منه أن أحدا فهم عنه أو مُعَوِّلا على الإضمار. والفاهْمْ يفهم.
والحداثي الذي تبرج أمسِ القريب عن نقاب اشتراكيته "العلمية" واستغشى قلنسوة حقوق الإنسان و"نهاية التاريخ والإنسان الأخِير " يستعمل بدوره كلمة مرجعية. لكنها في نظره المُحَيَّنْ - دون غيره - بمكتسبات الحداثة، مزيجٌ ومشيجٌ من حقوقية كونية لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ثم من إسلام... "من العائلة"، يدعي هو أيضا أنه من عائلته ولو "شحمة على شاقور" إيديولجي، فتكتمل الدعابة. والفاهم يفهم...
وكم تلذ "الفهامة فالزحام!"
ويحمى وطيس "التناقش" كما كان يصف إدريس البصري رحمه الله مساجلات البرلمان، فترى كلاهما يشيد باثني عشر قرنا من ديمومة الدولة المغربية واستقلالها المبكر عن المشرق وفرادتها. وليت شعري وليت علمي، لو كان الإسلام فقط "من العائلة" وليس "هو العائلة"، ولو لم تستقِ منه جميع العائلات المتعاقبة على الحكم شرعية طينية ودينية فهل كانت لأي دولة أن تقوم لها قائمة في هذه الأرض. قلت شرعية طينية لأنه حتى محمد بن تومرت، مهدي الموحدين رحمه الله وهو ابن قرية اسمها تينمل تقع طي الأطلس الكبير كانت له أصلا أو صيغت له نسبةٌ نبوية، في خلاف بين الأخباريين. ويوم القيامة فقط ستنادي فاطمة عليها السلام على ذريتها!
ترى لو لم تؤسس أم البنين جامعا سيصير جامعة، ولو لم يكن لا قاضي عياض ولا شاطبي ولا ابن مشيش وغيرهم كيف كان سيكون الحال؟ 
كيف صار "الإسلام العائلة" فقط "من العائلة"؟
جناية التاريخ؟ جواب مبني لغير فاعل.
أم جناية بعض عِيال العائلة الذين في آخر التحليل إنما سارعوا بالارتماء في أحضان عائلة غريبة خشية أن تصيبهم عَيْلة  العائلة. عيلة حاضرة موقوتة عابرة بإذن الله لا محالة ودوام الحال من المحال. لكنهم في العيلة سقطوا؟ "وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِه ِ"
لكن كيانيا وعلى مستوى كل فرد فرد، هل إسلام وإيمان كلٍّ فقط "من عائلتِه" وليس "عائلتَه"؟ صار عائلا بعد غنى من معنى؟
"الإسلامي اليميني" من جهته نيته حسنة حين يروم مد الجسور ونزع تهمة أو ريبة التقية والتطرف وتمييز الديني عن المدني خاصة بعد تجربة إسلاميي الربيع العربي المريرة وضرورة تطوير خطابهم. وذاك الحداثي نيته حسنة كذلك من حيث عَيْلته الفكرية وربما المادية، - ألا يروج أن منظمات حقوق الانسان يتلقون دعما خارجيا؟ و"المانح آمر " كما يقال أو بتعبيرنا الدارج "مول الدين سلطان" – ومن حيث يظن أن المرجعية الحقوقية بمسحة فلكلورية عائلية هي نهاية التاريخ وتجلٍّ للروح الهيغيلية الحداثية المنقذة من التردي إلى القرون الوسطى أو حضارة الجَمَل الغابرة.
قد تكون النية حسنة لكنْ بجوارها عمل على غير صواب. النية والصواب ركنا العمل. وكما قال الفضيل بن عياض رحمه الله: النية إخلاص الوجه لله، والصواب موافقة السنة. ولنوسع نظرنا ونقول إنها ليست فقط السنة النبوية العطرة، بل حتى وبالأساس سنة الله الكونية التاريخية وهي تتجلى في أن الحق والعدل معجون بهما سيرُ هذا الكون وتدبيرُه، ومهما غابا أو غُيِّبا لا يفتآن أن يرتحلا عائدين باحثين عن نصابها، فيجدان الكون والاجتماع البشري تائقين لزكاة بهما.
للفيلسوف أو المتفلسف نقول إن سنة الله هي "العدالة الكامنة في الوجود " فهل كان أحد يتوقع أن شابا يحرق نفسه في مدينة صغيرة يزلزل اصطلاؤه بالنار العالم كله عربيه وأعجميه وتعم الفوضى الخلاقة التي إنما تخفي سنة الله. ولن تجد لسنة الله تبديلا.
لنفرض أن الإسلام من العائلة فقط، والعائلة نسب. فما النسب بيننا وبين "رب العائلة"؟ ما النسب بيننا وبين الرب؟
في حديث إلهي بهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل، أنه يخاطبنا يوم العرض الأكبر عليه: " ألا إني جعلتُ نسبا وجعلتم نسبا، فجعلتُ أكرمَكم أتقاكم، فأبيتم إلا أن تقولوا : فلان بن فلان خيرٌ من فلان بن فلان، فأنا اليوم أرفع نسبي، وأضع نسبكم، أين المتقون؟" اللهم ألهمنا تقواك.
لكن الحداثة في نسختها الأمريكية تريدنا أن نقتفي أثر الإرجائية  البروتستانتية الأمريكية في أفق التخلص من عبء رب العائلة كما تخلص عرفة من الجبلاوي في آخر فصول "أولاد حارتنا " والجبلاوي يرمز إلى ما يرمز إليه...
لكن "رب العائلة" حاضر ناظر رقيب، حي لا يموت كما ادعى نيتشه المخبول والكنيسة من قبله. ويا لجناية وحجاب المفهوم الإناسي  للإسلام الذي يحيل إلى التراكم التاريخي الحضاري الثقافي الذي توَجَّه إليه سهام النقد والنقض في تعميم إيديولوجي مبسط مبسط. بالنصب والكسر. كما يحيل حصرا إلى المسلمين خاصة حين يموج بعضهم في بعض في فترات التاريخ الحالكة. وهل بالضرورة تاريخ الإسلام هو تاريخ المسلمين؟
تجد لسان حال المناضل يردد نفس تحسر المستشرق. فرق ما بينهما أن المستشرق تحسر على كون المغرب أتيحت له في الماضي فرصة الوجود الروماني ولم يستفد منها حضاريا، والحداثي تلميذه وسليله يتحسر على حاضر الحداثة كيف أننا نضيع فرصة الدخول فيها طولا وعرضا ودون قيد أو شرط.
بينما المناضل الإسلامي الذي صار باليميني التاريخي أشبه، يردد في غير تدقيق عبارة "المرجعية" و"ضرورة تفادي الاستفزاز" كأنه ابن جالية في أرض مهجر وليس في أرض "العائلة" أبا عن جد!
كيف السبيل إلى إحياء تلك الرابطة العقلية القلبية باستحضار "باراميتر " نظر الله في الزمن الراهن الحاضر إلى عمل الإنسان الذي يحسب أن لم يره أحد؟
أو يحسب أن النظر الإلهي اقتصر على ناس آخرين في غابر الزمان كانوا من العائلة واليومَ تفرقت بذريتهم السبل وتباعدت الأسفار...فظنوا أن لن يقدر عليهم أحد؟
من وحي برنامج على قناة ثانية في ذكرى أليمة فجَّرَ فيها ظلما وعدوانا وضيقَ أفقٍ بعضٌ من أفراد العائلة – أيا كانوا - أفرادا آخرين من العائلة، فأصبحوا خاسرين!

خواطر عابرة غير موضوعية وغير ذاتية.