التقيت البوهالي يعرَج برجل، فلما سألته عن سر مشيته الحرجة لم يجبني عن سؤالي الآن هنا، بل عرَّج بي إلى الغرب كي يصل الشرق. قال لي:
هل أتاك خبر "وسام الشجاعة الأحمر*"؟
قلت اللهم لا!
إنها رواية لذيذة للكاتب الأمريكي ستيفن كرين تدور رحاها في وغى حرب الانفصال الطاحنة بين جنوب أمريكي بدوي فلاحي أرستقراطي غليظ وشمال صناعي بورجوازي... منافق. كان الجيشان يقتتلان في آخر المطاف حول تحرير الحراطين** من حقول القطن ثم تمليكهم لمعامل الأزمنة الحديثة تحت بيارق الحرية. وكم سفكت الحرية من دماء. بحسن نية.
بطل الرواية شاب انضم إلى أحد الفريقين باحثا عن فروسية. كان شاكا في قدرات نفسه القتالية، لكنه كان يحاول إقناعها وإقناع أمه عبثا، لأنها تعرفه كنفسه وكم حاولت ثنيه عن قراره. "أنت من الطيبين يا ولدي!" بل أنا أشجع من الشجعان. الشجعان سجيةً لا يثبطهم داعي الخوف، فهم منطلقون دون كوابح، أما أنا فلي أجران؛ أجر الخوف الطبيعي من الموت ثم أجر تحديه ومغالبته ومقاومته.
لكن المسكين كانت كفة خوفه ترجح كلما حمي الوطيس فينسَلُّ من ساحة المعركة إلى غابة مجاورة يتنزه حتى إذا هدأت المعركة عاد إلى المعسكر غير غافر لنفسه فرارها من الزحف.
وليكفر عن خطيئته حدد لنفسه هدفا مصيريا. جرحا نازفا وكفي. كان عليه أن يصاب كي يكون ذلك وسام شجاعته الأحمر إذا وضعت الحرب أوزارها...وفعلا كان له ما أراد، لكن ليس من صَف العدو بل من نيران صديقة وفي لحظة فرار جماعي.
ثم عرج البوهالي دون مقدمات طالبا مني أن أصبر عليه.
وكان أن ثار على المواقع الاجتماعية خبر العفو عن الشيخ الإسباني الغلامي اللعين مغتصِب أحد عشر طفلا مغربيا، والشمسُ والقمرُ مندهشان لانقضاء محكوميته دون حساب أيام ولا سنين. وكان أن تنادى الغاضبون إلى الميادين كي يعبروا عن الدونية والمهانة والقهر واليأس. وهرع البوهالي إلى حيث ضرَب المحتجون وقت موعد... مع الضرب.
سألت البوهالي عن سر مسارعته وهو المصاب بالأكورا-فوبيا***؟ سر ذلك أنه رأى في المنام نوسترا داموس يخبره أنه ربما في المغرب سيظهر رجل مستقبلي تعلو به راية العدل فوق الأرض فانبرت يد خفية شريرة تصنع له جيلا من الشواذ حتى إذا ظهر العادل المسكين لم يجد له ظهيرا من رجال. بل ذكرانا يحبون الذكران من العالمين. البوهالي صدَّق الحلم فنزل الميدان.
خوفا على ولده أساسا ووْلِيدَات المسلمين، نزل. ونزل مطالبا باستقلال القضاء. ونزل مطالبا بعقوبة الإعدام للغلاميين كما هو دأب دول محترمة باحترام انسانها. وكفى توهما أن الإنسان إنسان في كل مكان. ونزل كذلك مُطالبا بوضع بوصلة للمغرب. ونزل مطالبا بالكف عن تسيير المغرب كأنه مقاولة عائلية. ونزل مطالبا بأن تكون لإمارة المؤمنين يد تنفيذية، تُنْفِذ الأمر بالمعروف وتُنْفِذ النهي عن المنكر وتقوم بالحسبة على الدين، لتحفظ للمؤمنين آخرتهم، تماما كما للملكية الحديثة يد تنفيذية تقوم على حفظ دنياهم. مبدئيا. ونزل مطالبا بمحاسبة الفاسدين وعدم شملهم بالعفو لأنه يجرئهم ويجرئ بهم من خلفهم. ونزل يعلن أن لا عفو ولا شفاعة في حد من حدود الله ولا في حق من حقوق الناس...
قلت له يا بوهالي: أرى مطالبك تجاوزت مطالب الوقفة المعلنة؟ فقال لي: إن العفو-الخطيئة هو فقط عرض من أعراض الوطن المريض وإن الداء لمستشر فلا ينفع معه رياء ولا إفتاء. بل وصف الدواء. ومكابدة الدواء. وحسن استعماله حتى يتم الشفاء.
في كوكبة الصارخين المبحوحين كان البوهالي يردد: "واك واك على شوهة...الطفولة اغتصبوها..."
الشوهة من كل مكان كانت تفيض في الميدان. آه لو كان الإحساس بالعار يقتل!
لكن عناصر الأمن المخيف المرعب حين هاجمت المحتجين كادت تتكفل للعار بالمهمة. هذا مسحول على البلاط المبلل عمدا بماء معين، وذاك أشج ملقى على القارعة، وذلك مصاب بنوبة قلبية، وذاك مدفوع مزجور ثم متبوع ركضا من أجل غيرة على آخر معاقل الشرف الجثماني...
في المعمعان... صار البوهالي يرى الناس يموج بعضهم في بعض. بين ضارب ومضروب. بين صارخ ومصروخ عليه ومستصرخ ولا مِن صريخ. الحمد لله أنهم لم يكونوا عميانا. وقد رأى يوما مكفوفين يُفرَّق جمعهم بالقوة فيهرع المساكين إلى غير اتجاه، ومنهم من احتمى بضاربه ظنا منه أنه نصير من المارة...المتفرجين. كانوا فريقين. فريق من أبناء الشعب يرتدون بزات مخزنية يسلخون جزءا من أبناء الشعب لا يرتدون بزات مخزنية، من أجل كرامة أطفال كلا الفريقين. تأمل كوميسيرا من الكوميسيرات يقول للناس "وتعاونوا معانا" وتساءل من يا ترى يجب أن يتعاون مع من؟ والدم يسيل على الجباه الشامخة. والكوميسير يقول منذرا معذرا بأعلى صوته: "والله ما بغينا نضربوكم، وسيرو فحالكم، صافي عفا عليه سيدنا، سالينا"
وماذا لو صدر الأمر بالضرب حقا؟ لكن الكوميسير ذي الطول الفارع شد انتباه البوهالي. إنه رفيق قسمه في الإعدادي والثانوي والجامعي. درسا الحقوق سويا ثم فرقت بينهما سبل المهنة. لكن صديق الصبا كان حينها متماهيا مع وظيفته فانيا فيها. لم يجرؤ البوهالي أن يحدثه أو يذكره بنوسطالجيا إعدادية الجولان وإنشائها النموذجي ولا بملعبها الكبير، ولا بأستاذ الرياضة الذي كان كلما رأى اقتتالا شرسا بين التلاميذ على كرات السلة واليد والقدم المعدودة، نادى على أحدهم كي يجمعها ثم أمر التلاميذ بصرامة:
"يالله... السكرتيح****!"
فيبدأون الركض القسري العقابي حول الإعدادية، جزاءً على اقتتالهم. سبحان الله. يومئذ كانوا راكضين جنبا لجنب.
ليس عبثا أن كان يلح الأستاذ على السكرتيح كعقوبة. ولم تضِع سُدى تلك الجهود، على الأقل نفعت في تفادي الهراوات المنهالة احتجاجا سلطويا على احتجاج شعبي لأجل شرف أبناء الوطن الضارب والمضروب.
حين حمي الوطيس وفر من فر، لم يشأ البوهالي أن يفر طرًّا كيلا يدين نفسه، بل فضل أن ينزاح على مهل ثم ينصرف راشدا. ولأن التقهقر يشجع المهاجمين، فقد أدركه رجل من الشعب المغربي من فصيل أصحاب البزات، ودون مقدمات، باغته بضربة أحس فورها بسرب من الدبابير يهجم على موضعها وينهشها، ثم بألم فظيع يسري حتى أخمص قدمه.
كشف لي البوهالي عن جنبه وأراني "وسام الشجاعة الأزرق" وقد وشحته به هراوة صديقة في لحظة فرار جماعي.
خلاصة: لا تحتجّْ أبدا كيلا تقع فتنة!
لكن ... متى كنا غير مفتونين؟
