بين التمرد والتمريض

صارت عادة البوهالي ولد حمدان كلما حار في فهم مشهد عبثي، ينثر عيون عينه المُرَكَّبة ثم ينتظر ما تحصد له من فتات المشاهد. لا مناص من فعل ذلك وإلا فهو حجم الواقع المخيف في عين مخلوق ضعيف. تخمة العبث البشري حتمت عليه تناول الشذرات من كل شيء.
الفهم الجامع مستحيل لانعدام منطق ناظم، إلا أن يستحضر نظرية العوالم الممكنة المتداخلة فيفتحها في شكل ويندوزات متوازية يلج من واحدة لينسلك في ثانية ثم ثالثة. عساه يفهم شيئا من أحوال الناس. فإن كل واحد منهم في "ويندوز" لا تنفتح حتى تنغلق الأخرى وقد انفتحت عليه جميعها دفعة واحدة. وبعبارة أدق... في دَقـَّةٍ واحدة. وهل كرَهْنا الفهم؟
بعد حيرة مصر، حار البوهالي ولد حمدان في أمر بلده. أواه. مصر أكبر دولة عربية لها حركة "تمرد" واحدة وفي المغرب اثنتان. للمغرب مثل حظ المِصْرَين. أو المصران؟ مثنى مصر مرفوع وليس المُصران. بضم الميم.  
حركة تمرد مصر اليتيمة قامت بما قامت به وكانت سندانا، وليس فقط سندا، لطَرْق حديد "الإخوان" قبل أن يبرد. لكنَّ الإخوان ليسوا سندانا بل سِنديانا. شجرٌ معمِّر طويل أمد الحياة. يموت مَن حوله ويمكث شامخا. وقد يموت ويبقى واقفا. وقد يكذب شجر الدردار ويُخلف موعده كما في المثل الفرنسي لكن السنديان شاهد على انقلابات…السنين. وقد تورق بعض أغصانه وهو ميت فيحيا. وقد يموت. لكنه قائم بحجة خافتة في دهر قاس. وقد يكون ميتا في ما يبدو للناس. وقد يفنى كل شيء غيرٍ عاقل وكل شاءٍ عاقل، صادق أو كاذب "ثم عند ربكم تختصمون".
دعنا من سندان تصهره حرارة الميادين ومن مصر وسنديانتها اليتيمة في مأدبة اللئام.
في بلاد البوهالي حركتا تمرد.
الأولى تعلن أنها فنيق من حركة عشرين شباط، عفوا عشرين فبراير. ما لي ولفبراير التقويم السرياني. مساكين السريان كان لهم شباطهم. يقولون شباط ما عليه رباط. شهر خديج أو كبيس.
والثانية ربيبة حزب الأشقر العتيد. أشقر أو أشجر أو أشغر؟ ربما من الشغور والفراغ وما يُغَمغم يُقمْقم ويُجَمجم بجيم عادية او جيم مصرية.
ماذا تريدان؟ حركتا تمردان مغربيتان.
الإطاحة بما هو أصلا طائح ومطاح ومُطوَّح به تطويحا منذ توليه؟ وما أكثر الطوائح والمطبات أمام أي ديمقراطية تأتي ب"الإسلاميين". مع تحفظي على الاسم لأن الإسلامي في تراثنا المغربي هو الكتابي المعتنق للإسلام. السّـْلامِي والسّـْلامية. ولكن لا مُشاحَّة في الإصطلاح ما دام الإبداع واردا وما دام المسمى معروفا وما دام لسان حال السياسة العربية يقول لهم "وراكم معروفين!"
في إحدى حلقات سندباد كان للبَحَّار الصغير مغامرة في إحدى الجزر مع أربعة من المردة. كل مارد يمثل عنصرا من العناصر الأربع. زيادة على مارد آخر ليس من العناصر ولكنه أهمها على الإطلاق في زمننا الحاضر.
مارد الثلج، والثلج من عنصر الماء. ومارد النار. ومارد التراب. ومارد من هواء في شكل ريح وعواصف. والخامس الحاسم في معادلاتنا العربية. مارد الزيت الأسود. 
في مصر التقت مصالح تمرد مع مارد الزيت الأسود في رَبع الجزيرة الخالي العالي المتطاول في البنيان. ونجم شرطة الزيت الأسود يقول أن الإخوان عدو أخطر من إسرائيل. سينضب زيت العرب الأسود ولم يكن قط أداة لحل قضيتهم المصيرية. فلسطين ولا لإنقاذ القدس. وهل كرهنا...الفهم؟
وفي بلادنا؟ كيف سيكون الحال يوم 17 غشت سواء أتحالف التمردان أم تنافرا أم تحالف كلاهما مع مارد الزيت الأسود أم تحالف معه أحدهما دون الآخر. أو الآخر دون الأحد. والأحد يوم عطلة.
ربما لا حاجة لهما في التحالف أصلا مع مارد الزيت الأسود لأنه تحالف سيكون يومها بدون موضوع. قد يكون يومئذ بن كيران رئيسَ حكومة سابق أو مخلوع بعد الاستقالات أو الاستقلالات الاستقلالية المتوالية. ستحلو رؤيته في اليويتيوب وهو يصرخ في وجه العفاريت والتماسيح على قناة ناشيونال-هسطوريك. هكذا. كان يا ما كان في حاضر الزمان وراهنه...
حين يتابع البوهالي برنامج كاميرا خفية مغربي يسبب له هو أولا فضلا عن المسكينِ ضحيةِ الحلقة مرض بوصفير الرُّعَابي، يقول يا ليت المغاربة يتركوا الكاميرا. وحين يتابع البوهالي مباراة كرة قدم مغربية يكون فيها اللاعب منبهرا بخصمه مسلما له بالفوز المسبق البديهي بدل أن يقاتله كرويا في الميدان وتنتهي النتيجة بثمانية "بيوت" في يوم الثامن من رمضان، يقول البوهالي يا ليتنا نترك الكرة وشأنها. ويحمد البوهالي الله أن لم تكن المباراة ليلة السابع والعشرين. وحين يتابع البوهالي السجال والشجار داخل المؤسسة الدستورية الكبرى يقول يا ليتنا نترك السياسة. ونشتغل بماذا؟
يتساءل البوهالي. أضروري أن تكون هناك أحزاب وحكومة وبرلمان؟ أليست السياسة أصلا تدبيرا وحكامة جيدة؟ ألا يكفي الموظفون في الوزارات لتسيير الدواليب؟ ما إضافة كل وزير وزير؟ حقيبة وزارية في سيرة حزبه المهنية؟ ألا تضحي الحسابات الحزبوية بكل شيء مقابل فوز انتخابي يستشيط بسببه الخصم السياسي غضبا أن سُحِب البساط من تحته ثم تستعر الحرب الضروس هدرا لزمن البلاد والعباد ومقوماتها؟ حتى في الديمقراطيات العريقة... 
حين سمع البوهالي بحركتي تمرد المغربيتين قال يا ليتنا نترك التمرد ونتعاطى التمريض. إننا مرضى يا قوم، متقابلين على أسِرَّة مصطفة على مد البصر في مارستان شاسع كبير عائم على امتداد أرض الثورات العظمى أو أرض الإصلاح العظيم. ألا فليرفق كل مارستاني بجاره المارستاني مثله. ثائرا كان أم مصلحا... أم متمردا. ريثما يكتمل عقل الجميع...أو تقوم قيامة تيهنا في الأرض!

يوسف زيدان أو المثقف الضجيع

باستثناء "عزازيل" طوحتُ بكل رواياتك من النافذة حتى إذا تكوَّمت أسفلَ الجدار أذِنت لابني اليوم أن يعبث بعود الثقاب، وأعطيته صك غفران استباقي. استبقيتُ "عزازيل" لأنه "محال" أن يُكتب لك أن تكتبها مرتين وإلا لما كانت فجاجةُ التي بعدَها شاهدا على تمَحُّلِك. إلا أن تكتب عن الدجال وهو شر غائب/حاضر في مِخيالك.
وكم عجبت كيف أتقنتَ وساوس عزازيل للراهب هِيبَا وغوايتَه! والآن أعجب لتعاطفك مع هيباتيا وأنت اليوم حليف ومريد أويسي للبابا كيرُلـُّسْ الذي أحرقها في شوارع الإسكندرية، ربما في نفس باحة مسجد القائد إبراهيم. بئستِ الأوَيْسِيَّة* أوَيسِيَّتك.
"فيك شِيءْ لعزازيل!" قياسا على ما يقول الطرقيون من قومك ومهما ردَّدْت من كلام الأولياء والعارفين، فأنت فقط متلذذ مُسْتمْنٍ بعباراتهم دون إشارتهم العارفة بالله، المنصفة لعباد الله.
ترى واعدوك بأتَابِكِيَّة وزارة الثقافة؟ وسواءٌ فشل الانقلاب أم باء بنجاح مُخْزٍ، سيبقى لك الوزر والوزارة دون أزر من ثقافة.
لكنك لست وحدك. طابور من أمثالك من المثقفين "الإمبدد" و "الإنبدد**" انزاحوا بمجرد ما أزاحتكم رابعة العدوية كقصر من لعبة ورق. لن يشفع لك حديثك عنها في حلقاتك التي ضاقت عليك وأنت لم تنصف مَن جَاورَها حتى في لحظات الدم الراعف القاني السيال. قل لي لمن تبرعتَ بدمك يا متشايخ؟
لقد هويتَ من شاهق إكبارنا لك وتبين أنك مُتكسب في حَرَمْلِك كافور الإخشيدي لا كُثير النائي في قرب عَزة. وأنى لك بتلك البسمة المصنوعة كصَنعة كتابتك، المرسومةِ على شفتيك كقناع من شمع. هيا قلـِّبْ جفنيك في نرجسية فأنت أقوى من الرئيس كما قلت، وأنت أعظم كاتب عربي كما ادعيت  وأنت... وأنت... لكن العظماء يُعرفون بجلسائهم وأنت كنت جَليس لميسٍ من حديد صدئ ونديمَ ضفدع غير شجاع. تحياتي لنؤنؤ ولنانا كريمة الطبلوج التي أحبت ثائرا ولم تخش سنور دولة الأعماق.
لما غزا الأمريكان العراق. عفوا الماريكانوس، كما خاطبهم سلطان المغرب في رسالة اعتراف لجورج واشنطن. عظيم الماريكانوس يومها. (إنما أنا امرؤ من قومي والماريكانوس أفصح وأغرب. اسم تفضيل نسبة إلى المغرب لا الغرابة. أو هما معا. في المغرب لا تستغرب.)
فافهم يا عزازيل!
حين غزوا العراق كان للماريكانوس صحافيون يغطون الحرب قَصفا قصفا، وحَرقا حرقا، ودَهما دهما وخطفا خطفا، يُسمَّون "الإمبدد"*. الإمبدد تعني الملحق المرافق المترسب كطبقة كلس فوق صهارة باطن الأرض الملتهبة. لكنهم لفرط ما غطوا - حقيقة لا مجازا - وستروا جرائم الحرب وعلبوها، افتُضَّتْ بكارة انحيازهم لرواية المنتصر فسماهم زملاؤهم ممن أبوا مضاجعة المارينز "الإنبدد**". الضجيع... المضاجَع. بجيم مصرية فخمة كم تحبها.
وكم من ضجيع وضجيع أقرَضَ قناع وجهه الاجتماعي لوجه الانقلاب الكالح في مصر. وحتى في مصرنا اشرأبت رؤوس الرفاق القدامى وهيأوا "تمردهم" و"بلاك بلوكهم" في وجه توحدة الدولة وأصلحتها وعودلتها ونوممتها. نسبة إلى التوحيد والإصلاح والعدالة والتنمية. نم هانئا في المغرب!
متى؟ يوم 17 غشت؟ يومها يُنطق ببراءة محمد حسني باراك وربما بإعادته للسدة. ليس عبثا ذلك التاريخ. الاستبداد لولبي.
دعنا من تركيبة تمردنا الجنيس. أنت، أنت يا "عزازيل." صيرت قلمك سَيْرا طويلا من سُيُور البيادة. جميلة ورقيقة كلمة بيادة. لا أحبها في هذا المقام، إنما أنا امرؤ من قومي. بل صيَّرت قلمك "برودكان!" لنسم الأشياء بمسمياتها المغربية على المذهب المالكي وقد كانت الإسكندرية حاضرة المذهب في مصرَ ذات عصر. لا يضير أن ينقلب عسكري في مصر وأن ينقلب عليه عسكري ثم ينقلب المقلوب على المنقلب إلى يوم تـُقَلـَّبُ الأرضُ غيرَ الأرضْ. لكن أن تتقلب في ثوبك كما تقلبَ "ظل الأفعى" فذاك ما لم أفهمه كعربي ولم أكن لأفهمه لو كنت "النبطي"!
ربما سولت لك نفسك في "دوامات تدينك" الباطنية، وكل كاتب بما فيه ينضح، أنك أبو الحسن الشاذلي في جيش المماليك يشد من أزر قطز أو بيبرس في إسكندرية تأسر ملوك الفرنجة المقدسين وقواد المغول المدنسين.
لكنني لا أرى إلا فئة باغية تُمزق جمعكم لا محالة وتقطع رحمكم وتحزننا أيما حزن. ذلك دين كل فئة باغية... وأنت مع من ضد من؟ هل تمعنت في أمرك؟ هل اخترت في أي "الصِّفِّينَ" تكون؟
دعونا يستروح الماريكانوس برؤيتنا نقتل بعضنا بعضا لستين سنة أخرى. ودعهم ينعموا بديمقراطيتهم العريقة التي يعشقونها ويكرهونها للناس. وللعبرة يا من لا يعتبر...
جورج واشنطن حين أتم ولايتين دستوريتين أرادوا أن يجددوا له الرئاسة، أبى وقال لهم: " لقد حاربنا من أجل الاستقلال عن التاج البريطاني، وأنتم تريدون تتويجي ملكا؟" مثل ما قال بيجوفيتش رحمه الله: "إنكم تنحتون طغاتكم!"
ترى... كيف شُفِىَ الروم وتعافوا من الاستبداد؟ هل لأن الساعة ستقوم وهم أكثر الناس؟ أم لأنهم أصلا كُثر لذلك ستقوم عليهم؟ أمِن شَرِّيَّة فيهم أم من خيرية؟ أم لأنهم لن تبيدهم حروب كحروبنا الأهلية على الكرسي والدينار والدرهم...
روى مسلم في صحيحه عن اَلْمُسْتَوْرِدِ القرشي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «تقوم الساعة والروم أكثر الناس». فقال له عمرو بن العاص: أبْصِِر ما تقول! قال: أقول ما سمعتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: لئن قلت ذلك، إن فيهم لَخِصالا أربعا:
إنهم لأحلمُ الناس عند فتنة،
وأسرُعهم إفاقة بعد مصيبة،
وأوشكُهم كَرَّة بعد فَرَّة،
وخيرُهم لمسكين ويتيم وضعيف،
وخامسةٌ حسنة جميلة: وأمْنَعُهُم مِن ظـُلْمِ الملوك...


العفو عن الغلامي أو وسام الشجاعة الأزرق

التقيت البوهالي يعرَج برجل، فلما سألته عن سر مشيته الحرجة لم يجبني عن سؤالي الآن هنا، بل عرَّج بي إلى الغرب كي يصل الشرق. قال لي:
هل أتاك خبر "وسام الشجاعة الأحمر*"؟
قلت اللهم لا!

إنها رواية لذيذة للكاتب الأمريكي ستيفن كرين تدور رحاها في وغى حرب الانفصال الطاحنة بين جنوب أمريكي بدوي فلاحي أرستقراطي غليظ وشمال صناعي بورجوازي... منافق. كان الجيشان يقتتلان في آخر المطاف حول تحرير الحراطين** من حقول القطن ثم تمليكهم لمعامل الأزمنة الحديثة تحت بيارق الحرية. وكم سفكت الحرية من دماء. بحسن نية.
بطل الرواية شاب انضم إلى أحد الفريقين باحثا عن فروسية. كان شاكا في قدرات نفسه القتالية، لكنه كان يحاول إقناعها وإقناع أمه عبثا، لأنها تعرفه كنفسه وكم حاولت ثنيه عن قراره. "أنت من الطيبين يا ولدي!" بل أنا أشجع من الشجعان. الشجعان سجيةً لا يثبطهم داعي الخوف، فهم منطلقون دون كوابح، أما أنا فلي أجران؛ أجر الخوف الطبيعي من الموت ثم أجر تحديه ومغالبته ومقاومته.
لكن المسكين كانت كفة خوفه ترجح كلما حمي الوطيس فينسَلُّ من ساحة المعركة إلى غابة مجاورة يتنزه حتى إذا هدأت المعركة عاد إلى المعسكر غير غافر لنفسه فرارها من الزحف.
وليكفر عن خطيئته حدد لنفسه هدفا مصيريا. جرحا نازفا وكفي. كان عليه أن يصاب كي يكون ذلك وسام شجاعته الأحمر إذا وضعت الحرب أوزارها...وفعلا كان له ما أراد، لكن ليس من صَف العدو بل من نيران صديقة وفي لحظة فرار جماعي.
ثم عرج البوهالي دون مقدمات طالبا مني أن أصبر عليه.
وكان أن ثار على المواقع الاجتماعية خبر العفو عن الشيخ الإسباني الغلامي اللعين مغتصِب أحد عشر طفلا مغربيا، والشمسُ والقمرُ مندهشان لانقضاء محكوميته دون حساب أيام ولا سنين. وكان أن تنادى الغاضبون إلى الميادين كي يعبروا عن الدونية والمهانة والقهر واليأس. وهرع البوهالي إلى حيث ضرَب المحتجون وقت موعد... مع الضرب.
سألت البوهالي عن سر مسارعته وهو المصاب بالأكورا-فوبيا***؟ سر ذلك أنه رأى في المنام نوسترا داموس يخبره أنه ربما في المغرب سيظهر رجل مستقبلي تعلو به راية العدل فوق الأرض فانبرت يد خفية شريرة تصنع له جيلا من الشواذ حتى إذا ظهر العادل المسكين لم يجد له ظهيرا من رجال. بل ذكرانا يحبون الذكران من العالمين. البوهالي صدَّق الحلم فنزل الميدان.
خوفا على ولده أساسا ووْلِيدَات المسلمين، نزل. ونزل مطالبا باستقلال القضاء. ونزل مطالبا بعقوبة الإعدام للغلاميين كما هو دأب دول محترمة باحترام انسانها. وكفى توهما أن الإنسان إنسان في كل مكان. ونزل كذلك مُطالبا بوضع بوصلة للمغرب. ونزل مطالبا بالكف عن تسيير المغرب كأنه مقاولة عائلية. ونزل مطالبا بأن تكون لإمارة المؤمنين يد تنفيذية، تُنْفِذ الأمر بالمعروف وتُنْفِذ النهي عن المنكر وتقوم بالحسبة على الدين، لتحفظ للمؤمنين آخرتهم، تماما كما للملكية الحديثة يد تنفيذية تقوم على حفظ دنياهم. مبدئيا. ونزل مطالبا بمحاسبة الفاسدين وعدم شملهم بالعفو لأنه يجرئهم ويجرئ بهم من خلفهم. ونزل يعلن أن لا عفو ولا شفاعة في حد من حدود الله ولا في حق من حقوق الناس...
قلت له يا بوهالي: أرى مطالبك تجاوزت مطالب الوقفة المعلنة؟ فقال لي: إن العفو-الخطيئة هو فقط عرض من أعراض الوطن المريض وإن الداء لمستشر فلا ينفع معه رياء ولا إفتاء. بل وصف الدواء. ومكابدة الدواء. وحسن استعماله حتى يتم الشفاء.
في كوكبة الصارخين المبحوحين كان البوهالي يردد: "واك واك على شوهة...الطفولة اغتصبوها..."
الشوهة من كل مكان كانت تفيض في الميدان. آه لو كان الإحساس بالعار يقتل!
لكن عناصر الأمن المخيف المرعب حين هاجمت المحتجين كادت تتكفل للعار بالمهمة. هذا مسحول على البلاط المبلل عمدا بماء معين، وذاك أشج ملقى على القارعة، وذلك مصاب بنوبة قلبية، وذاك مدفوع مزجور ثم متبوع ركضا من أجل غيرة على آخر معاقل الشرف الجثماني...
في المعمعان... صار البوهالي يرى الناس يموج بعضهم في بعض. بين ضارب ومضروب. بين صارخ ومصروخ عليه ومستصرخ ولا مِن صريخ. الحمد لله أنهم لم يكونوا عميانا. وقد رأى يوما مكفوفين يُفرَّق جمعهم بالقوة فيهرع المساكين إلى غير اتجاه، ومنهم من احتمى بضاربه ظنا منه أنه نصير من المارة...المتفرجين. كانوا فريقين. فريق من أبناء الشعب يرتدون بزات مخزنية يسلخون جزءا من أبناء الشعب لا يرتدون بزات مخزنية، من أجل كرامة أطفال كلا الفريقين. تأمل كوميسيرا من الكوميسيرات يقول للناس "وتعاونوا معانا" وتساءل من يا ترى يجب أن يتعاون مع من؟ والدم يسيل على الجباه الشامخة. والكوميسير يقول منذرا معذرا بأعلى صوته: "والله ما بغينا نضربوكم، وسيرو فحالكم، صافي عفا عليه سيدنا، سالينا"
وماذا لو صدر الأمر بالضرب حقا؟ لكن الكوميسير ذي الطول الفارع شد انتباه البوهالي. إنه رفيق قسمه في الإعدادي والثانوي والجامعي. درسا الحقوق سويا ثم فرقت بينهما سبل المهنة. لكن صديق الصبا كان حينها متماهيا مع وظيفته فانيا فيها. لم يجرؤ البوهالي أن يحدثه أو يذكره بنوسطالجيا إعدادية الجولان وإنشائها النموذجي ولا بملعبها الكبير، ولا بأستاذ الرياضة الذي كان كلما رأى اقتتالا شرسا بين التلاميذ على كرات السلة واليد والقدم المعدودة، نادى على أحدهم كي يجمعها ثم أمر التلاميذ بصرامة:
"يالله... السكرتيح****!"
فيبدأون الركض القسري العقابي حول الإعدادية، جزاءً على اقتتالهم. سبحان الله. يومئذ كانوا راكضين جنبا لجنب.
ليس عبثا أن كان يلح الأستاذ على السكرتيح كعقوبة. ولم تضِع سُدى تلك الجهود، على الأقل نفعت في تفادي الهراوات المنهالة احتجاجا سلطويا على احتجاج شعبي لأجل شرف أبناء الوطن الضارب والمضروب.
حين حمي الوطيس وفر من فر، لم يشأ البوهالي أن يفر طرًّا كيلا يدين نفسه، بل فضل أن ينزاح على مهل ثم ينصرف راشدا. ولأن التقهقر يشجع المهاجمين، فقد أدركه رجل من الشعب المغربي من فصيل أصحاب البزات، ودون مقدمات، باغته بضربة أحس فورها بسرب من الدبابير يهجم على موضعها وينهشها، ثم بألم فظيع يسري حتى أخمص قدمه.
كشف لي البوهالي عن جنبه وأراني "وسام الشجاعة الأزرق" وقد وشحته به هراوة صديقة في لحظة فرار جماعي.
خلاصة: لا تحتجّْ أبدا كيلا تقع فتنة!
لكن ... متى كنا غير مفتونين؟ 

الذكاء والغناء

ناقوس خطر يرن في مختبرات علوم الإدراك وقياس الذكاء أيامنا هذه، وقد رصدت الاختبارات  بشكل مطرد وعبر دراسة عينات الأذكياء والألمعيين في العالم أن معدل الذكاء (آي-كيو) في توقف وربما هو على أهبة التنازل حسب قانون من ليس في زيادة فهو إلى نقصان. إن ما اصطلح عليه ب"مفعول فلاين*" المشهور في قياس الذكاء المطرد منذ الثمانينات، هو الان في مَضِيق.

لنفترض أن الإحصاء ينسحب على جميع  جغرافيا الذكاء، ولو أنه أجري خصيصا على الدول الأكثر تقدما ورفاها ماديا (الدنمارك والسكنديناف) فهل تكون النتيجة ثقبا أصاب المادة الرمادية لكوكب الأرض كما أصاب أوزونها. أو بلغة المعلوميات، أصاب البرمجيات (الصوفت-وير) بعد ما أصاب الأجهزة (الهارد-وير). ماذا لو توالت الثقوب حتى انهار السد. الأسباب التي تسوقها الدراسات ترجع بالأساس إلى الوسائط التكنولوجية التي عمَّت بها البلوى فلا تفتأ تكرِّس خمول الإنسان واعتماده على الآلة حتى في تذكر أشياء كان يستغني بعقله كي يعقلها، منعشا كل حين ذاكرته. تواكل العقلانية.

هذا إن فرضنا أن الوسائط تستعمل فقط للجد فما بالك إن صح إحصاء يقرر أن استعمالها مصبوب في المقام الأول على الإبحار في المواقع الإباحية تليها مواقع الألعاب تليها في المقام الآخِر الأخير البحث عن المعلومة. لكن الجواب يأتى دائما من جنس الإشكال لأنه لم يطرح أصلا بشكل صحيح. جواب علموي محض لإشكال علموي محض. عمى العقلانية.

علموي من حيث أن مراصد الذكاء الدولية تعتمد عادة قياس الذكاء من زاوية واحدة. رياضية صورية بحتة هي وحدها في نظرها الكفيلة بفتح آفاق الفهم في كل شيء. كأن الذكاء ما يخرج من كنفها ويبقى في كنفها فقط. تماما كمنافسات ملكات جمال "الكون". وكم من جميلة في أعالي جبال الريف أو في شاهق الأنديز لا يلقي لها أحد بالا لو غسلت عن وجهها عرق وتراب الكد والشظف لتبدى منها ما يرجح بكفة جميع المتوجات تبعا لمقاييس لا تفهم. استعلاء العقلانية. حتى في مقاييس الجمال.

وكم من ذكاء مرَكَّب لم يلغ الفطرة الإنسانية لو غُسِل عنه تراب الغمط والاستعلاء الغربي لكان قاد الإنسانية إلى بر أمانها. فهل في بشرية اليوم استعداد للإنصات للحكماء وقد ملأت قولانيتها، وهي رديف عقلانيتها، الأسماع. قولانية إعلامها الذي حجب العلم والمعرفة بل كان وبالا على المعرفة الرصينة** إلا النزر اليسير الذي يخدم أهدافا محددة طفت على السطح أم خفيت تحت البرامج المغرضة.

أسباب أخرى سيقت لتفسير الظاهرة. من قبيل أن العقل البشري وصل أعلى غاياته، والعلو يطلب الانحدار طبق جدلية الأشياء. ولكن ماذا كانت مقومات هذا العلو. المعيار مادي. فالعقل الحاضر تربع على عرش دماغ تحققت له أحسن وأنجع تغذية منذ صار الانسان مفكرا (هومو سابيينس) وذلك حسب تطور علم التغذية وطبقا للمعادة: أنجع تغذية للدماغ => أنجع عقل => لا مستوى أعلى في نجاعة التغذية => توقف الذكاء. نهاية تاريخ الذكاء الانساني؟ ربما لو سحبنا نظرية فوكوياما الاختزالية رغم منطقها الداخلي الفريد في السياسة على علوم الادراك. 

لعل السبب أعمق من ذلك بكثير. لعله يكمن في فقد العقل البشري لعلم الغاية وانشغاله بعلم الوسيلة. بل بالوسائل والوسائط. ودون اكتراث بنفع تلك الوسائل حتى لو فرضنا حسن نية استعمالها.
ناداني يوما في اندهاش مني شخص علماني عقلاني حتى النخاع كي نلتقي ونتبادل الحديث كما درجنا منذ زمن غير يسير. كان مكسورا محبطا مقهورا. السبب ليس تعثر الانتقال الديمقراطي، وتوقف المسلسل الديمقراطي وتراجع التداول الديمقراطي ومفردات اللسان الخشبي. كان سبب إحباطه أن ابن أخ له كان يود لو كان ولده، من حبه له وإعجابه بذكائه الرياضي وألمعيته التي فتحت له باب جامعات أوربا،  بمجرد ما عاد إلى المغرب اشتغل في شركة كبيرة بمبلغ كبير لم يقتنع به فقرر أن يصير "قمارا محترفا" وضع ذكاءه الرياضي في خدمة أحد الكازينوهات، يسترد لها بالشمال ما أخِذ منها باليمين. صار يجني في الليلة الواحدة من أصحاب رؤوس الأموال الذين شغلوه بأجر لم يقنعه أضعاف أضعاف أجره. هم، هم كانت تجمعه بهم المائدة الخضراء.

قلت للأستاذ العلماني الليبرالي لو كنت عقلانيا علمانيا بالمعنى الغربي لقبلت ابن أخيك كما هو، لكن تربية تلقيتها في الصغر من أبيك الحاج وكم اشتكيت منها ونددت بقسوتها المزعومة ورجعيتها قد رسخت فيك وأنت لا تدري، قيما رافقتك بموازاة علمانيتك التي ظننتها سبب تميزك، حتى إذا رأيت ما تنادي به قولا من عقلانية محضة معقمة مبسترة من كل "دين" ماثلة في ابن أخيك أفقت ورفضت وتزلزلت. ورب حرية انقلبت عبودية، ورب علم ثمرته الجهل... 

ولعل التراجع في نسبة الذكاء حسب معايير علوم الإدراك إيذان باستنفاذ العقل المجرد وهو المرتبة الدنيا على سلم قانون مراتب العقلانية***. عقل مجرد من القيم ومن الدين ومن الأخلاق وقد انقلبت محصلته العلمية إلى جهل. جهل بالخالق يستتبع جهلا على المخلوق وأنين في دياره تحت وطأته الآلية العمياء الصماء التي فككت الإنسان. فهل تكفي صرخات بعض المفكرين هناك لجمع شتات العلوم ودرأ اختزالها للإنسان. بنفس الطريق العقلانية المجردة المنقحة. رجاء.

ربما تؤتي المحاولات أكلها في لقاء غير منتظر بين جميع عقلانيات العالم المهضومة المجحَفَة، على نفس بساط الإنصاف في التعبير عن نفسها بالبرهان وليس بالسلطان. ولعلها تكتشف ما يقدمه لها الدين من تبريز لعقل مسدد. سدده الدخول في العمل، على اعتبار أن نموذج العمل الأمثل هو العبادة إذ في العبادة تنجلي آية الإنسان الذي لطالما اختزل في آليته. ثم عقل مؤيد بالتجربة الروحية التي هي ثمرة التغلغل في العبادة وصدق التوجه فيها حتى تكتسب بدون تكلف. نموذجُها الأمثل الوصول إلى المشاهدة، "كأنك تراه"، وإن لا فإلى المراقبة. "فهو يراك".  إحسان.

عامل آخر حاسم في تراجع نسبة الذكاء. صنمٌ هذه المرة. إنه لهو الحديث الصاد عن سبيل الله. بعض علماء التفسير قال أن لهو الحديث في الآية هو الغناء. ذلك أنها نزلت في معشر من قريش كانوا يأتون بالقينات والمغنيات ويقيمون "مهرجانات" على مقاس تلك الفترة كي يعرقلوا استجابة الشباب للدعوة الجديدة. "فجور سياسي****". ولقد كنتُ أنأى عن هذا التفسير ربما لأنني أحب سماع الموسيقى في خويصة نفسي وآخذ بالرخصة فيها لعدم ورود نصوص قطعية الورود قطعية الدلالة تنتصب كافية لتحريمها ولأنني أعتبرها لهوا من اللهو، حلالها حلال وحرامها حرام كما قال ابن حزم. لكن اكتشفت، وهو غير خاف، أيامنا هاته أن الغناء والموسيقى قد تجاوز عتبة الترويح ودخل باحة العقيدة الفنية.

الغناء اليوم دين أرضي صارف عن الدين السماوي وحتى عن الدين العقلي. وكلاهما سبيل الله لو صح التوجه. من استعمل عقله بطريق صحيح أوصله إلى عتبة الوحي. ومن أخذ بهما من أول وهلة طويت له المسافة فلا يدري إلا وقد وصل. الفرق في سرعة الوصول فقط أو عدم الوصول. العقل وحي باطني والدين وحي خارجي. أما عقل الإنسانية اليوم فهو بالهوى الصاد عن غاية الوجود الإنساني ووظيفته أشبه. ولعل من أكبر تجليات الهوى في زماننا المهرجان تلو المهرجان تلو المهرجان وبينهما مهرجان وخلالهما مهرجان. ليس زمنَ العطل فقط، بل في عز أيام الامتحان...

إنها حرب على مواقع الرمزية الفنونية اليونانية الوثنية، تطرد رمزية العلم والمعرفة والإبداع من الساحة وتركنها في باحات داخلية. تصيرها مُنكرا بالمعنى اللغوي. نكرةً، غير معرفة. تمهيدا لكي تصير منكرا. المنكر هو الشيء الذي لا تعرفه النفس ولا تعرف فضله وأهميته فطرةً أو تحت سطوة التجهيل. وقد صار الغناء المهرجاني معروفا والمعرفة والنبوغ منكرا. وصارت غاية الغايات رمزية مغنية أحيانا كثيرة لا تطرب، بجوارها لاعب يسرح ويمرح ويسجل الأهداف في مرمى الخصوم كل مرة بطريقة فريدة والمحصلة هي، هي. كرة في شباك وتصفيق وعويل واصطفافات ذات البارصا، وذات الريال. إنه انقلاب.
قال فيلسوف الأدباء الفرنسيين***** في النصف الآخر من القرن العشرين يائسا من قرنه وعاقدا الأمل على القرن الذي يليه: "إن القرن الواحد والعشرين إما أن يكون روحانيا أو لا يكون" القرن الواحد والعشرين يصادف قرننا الخامس عشر في مجمله. فهل تقوم لنا قائمة نحن أصحاب الرسالة الخاتمة ما دمنا في طورها الخاتم إلى يوم القيامة. رسالة القرآن.
اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا.

* مفعول فلاين باسم الخبير في ميدان الذكاء الإنساني جيم فلاين. المفعول يعني اطراد الذكاء الإنساني
بشكل تصاعدي.
** شهادة بيير بورديو في نموذج برنار هنري ليفي الذي انتقل صدفة أو بمفعول سري من مقام صحفي مشاغب إلى مقام فيلسوف. هكذا فجأة.
*** قانون مراتب العقلانية انظر ملخص القانون في كتاب "العمل الديني وتجديد العقل" د.طه عبد الرحمن ص: 221. طبعة المركز الثقافي العربي.
**** عنوان كتاب لمرحوم "فريد الأنصاري"
***** أندري مالغو.

مِن العَائِلة

حينما أريد أن أمازح أمي أو أن أستثير ضحكها الغالي، مثلا إذا استقدمتُ شيئا إلى بيتها كيلا أزورها وأنا "طويل  " أو حين أهدي لها هدية، فتقول بلسانٍ مِن زهد الأمهات: "مالك أولدي شقيتي راسك؟" فأقول لها "ودَابَا حِيتْ نْتِ مْنْ العائلة..." أو أقول "كُونْ ما كنتيش مْن العائلة..." أو " حِيت جيتي مْن العائلة..." حسب السياق، فتضحك ويضحك مَن حَضَر، قريبا أو غريبا، حينها أو بمجرد ما يعي أنها دعابة تخفيها نبرتي الجادة الموقوتة وظاهري الجاد عادة.
ترى ما علة ذلك الضحك؟
مكر الإشارة الخفي المضمر حين تعبث العبارة بالبداهة وتدغدغ أشرف رابطة إنسانية، رابطة الأمومة والبنوة، ثم ظاهر الجد في القول، يقعان من نفسها ومن نفوس الحاضرين موقعا لا يحتمل إلا الضحك معجلا أو مؤجلا ودون إخلاف في كل مرة أردد مزحة غرابتُها لا تنضب.
"وهل الأم من العائلة؟؟؟ هكذا وفقط؟ هل يعقل؟ بل هل يُشعَرْ؟تصورْ... الأم من العائلة!
ولأن الأم هي العائلة بل "الأمُّ العائلةُ" دون واسطة من ضمير فاصل منفصل، لا يمكن أن يكون خطابي إلا ضحكا وانبساطا وإلا... فهو مأساة عافانا الله. الأم لحمة وسدى وروح الجمع وهي أحق بصحبة من صحب.
في مستوى آخر من مستويات الوجود، تحضرني هذه الدعابة فأبتسم كل مرة، وذلك كلما تابعت توك-شو  مغربي. قلت توك-شو لأن برامجنا الحوارية لا ترقى إلا قليلا لمستوى الندوة، وتجد فيها غالبا "مناضلين" يُرْغـُونَ صابون الحسابات بينهم، مهووسين بتسجيل المواقف وبنضالية من أجل قضية حقيقية أو وهمية، فيتكلمون كلاما شبه علمي يعبئ ويحشد في عجالة، كأنهم دائما في ربع ساعة أخيرة من مداولة قضية.
فتحضرني الدعابة خلال التوك-شو لأن المناضل ذات اليمين وذات الشمال لا يعدم أن يذكر الإسلام ويتكلم عنه كأنه... من العائلة. وفقط مِنْ...
المناضل "الإسلامي" الذي صار باليميني التاريخي أشبه يستعمل كلمةً معقمةً بل معدلةً جينيا اسمها المرجعية. "ولأن المرجعية... وهذا مساس بالمرجعية... والمرجعية تقتضي..." ويمكث يردد الكلمة على استحياء أو خوف، ظنا منه أن أحدا فهم عنه أو مُعَوِّلا على الإضمار. والفاهْمْ يفهم.
والحداثي الذي تبرج أمسِ القريب عن نقاب اشتراكيته "العلمية" واستغشى قلنسوة حقوق الإنسان و"نهاية التاريخ والإنسان الأخِير " يستعمل بدوره كلمة مرجعية. لكنها في نظره المُحَيَّنْ - دون غيره - بمكتسبات الحداثة، مزيجٌ ومشيجٌ من حقوقية كونية لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ثم من إسلام... "من العائلة"، يدعي هو أيضا أنه من عائلته ولو "شحمة على شاقور" إيديولجي، فتكتمل الدعابة. والفاهم يفهم...
وكم تلذ "الفهامة فالزحام!"
ويحمى وطيس "التناقش" كما كان يصف إدريس البصري رحمه الله مساجلات البرلمان، فترى كلاهما يشيد باثني عشر قرنا من ديمومة الدولة المغربية واستقلالها المبكر عن المشرق وفرادتها. وليت شعري وليت علمي، لو كان الإسلام فقط "من العائلة" وليس "هو العائلة"، ولو لم تستقِ منه جميع العائلات المتعاقبة على الحكم شرعية طينية ودينية فهل كانت لأي دولة أن تقوم لها قائمة في هذه الأرض. قلت شرعية طينية لأنه حتى محمد بن تومرت، مهدي الموحدين رحمه الله وهو ابن قرية اسمها تينمل تقع طي الأطلس الكبير كانت له أصلا أو صيغت له نسبةٌ نبوية، في خلاف بين الأخباريين. ويوم القيامة فقط ستنادي فاطمة عليها السلام على ذريتها!
ترى لو لم تؤسس أم البنين جامعا سيصير جامعة، ولو لم يكن لا قاضي عياض ولا شاطبي ولا ابن مشيش وغيرهم كيف كان سيكون الحال؟ 
كيف صار "الإسلام العائلة" فقط "من العائلة"؟
جناية التاريخ؟ جواب مبني لغير فاعل.
أم جناية بعض عِيال العائلة الذين في آخر التحليل إنما سارعوا بالارتماء في أحضان عائلة غريبة خشية أن تصيبهم عَيْلة  العائلة. عيلة حاضرة موقوتة عابرة بإذن الله لا محالة ودوام الحال من المحال. لكنهم في العيلة سقطوا؟ "وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِه ِ"
لكن كيانيا وعلى مستوى كل فرد فرد، هل إسلام وإيمان كلٍّ فقط "من عائلتِه" وليس "عائلتَه"؟ صار عائلا بعد غنى من معنى؟
"الإسلامي اليميني" من جهته نيته حسنة حين يروم مد الجسور ونزع تهمة أو ريبة التقية والتطرف وتمييز الديني عن المدني خاصة بعد تجربة إسلاميي الربيع العربي المريرة وضرورة تطوير خطابهم. وذاك الحداثي نيته حسنة كذلك من حيث عَيْلته الفكرية وربما المادية، - ألا يروج أن منظمات حقوق الانسان يتلقون دعما خارجيا؟ و"المانح آمر " كما يقال أو بتعبيرنا الدارج "مول الدين سلطان" – ومن حيث يظن أن المرجعية الحقوقية بمسحة فلكلورية عائلية هي نهاية التاريخ وتجلٍّ للروح الهيغيلية الحداثية المنقذة من التردي إلى القرون الوسطى أو حضارة الجَمَل الغابرة.
قد تكون النية حسنة لكنْ بجوارها عمل على غير صواب. النية والصواب ركنا العمل. وكما قال الفضيل بن عياض رحمه الله: النية إخلاص الوجه لله، والصواب موافقة السنة. ولنوسع نظرنا ونقول إنها ليست فقط السنة النبوية العطرة، بل حتى وبالأساس سنة الله الكونية التاريخية وهي تتجلى في أن الحق والعدل معجون بهما سيرُ هذا الكون وتدبيرُه، ومهما غابا أو غُيِّبا لا يفتآن أن يرتحلا عائدين باحثين عن نصابها، فيجدان الكون والاجتماع البشري تائقين لزكاة بهما.
للفيلسوف أو المتفلسف نقول إن سنة الله هي "العدالة الكامنة في الوجود " فهل كان أحد يتوقع أن شابا يحرق نفسه في مدينة صغيرة يزلزل اصطلاؤه بالنار العالم كله عربيه وأعجميه وتعم الفوضى الخلاقة التي إنما تخفي سنة الله. ولن تجد لسنة الله تبديلا.
لنفرض أن الإسلام من العائلة فقط، والعائلة نسب. فما النسب بيننا وبين "رب العائلة"؟ ما النسب بيننا وبين الرب؟
في حديث إلهي بهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل، أنه يخاطبنا يوم العرض الأكبر عليه: " ألا إني جعلتُ نسبا وجعلتم نسبا، فجعلتُ أكرمَكم أتقاكم، فأبيتم إلا أن تقولوا : فلان بن فلان خيرٌ من فلان بن فلان، فأنا اليوم أرفع نسبي، وأضع نسبكم، أين المتقون؟" اللهم ألهمنا تقواك.
لكن الحداثة في نسختها الأمريكية تريدنا أن نقتفي أثر الإرجائية  البروتستانتية الأمريكية في أفق التخلص من عبء رب العائلة كما تخلص عرفة من الجبلاوي في آخر فصول "أولاد حارتنا " والجبلاوي يرمز إلى ما يرمز إليه...
لكن "رب العائلة" حاضر ناظر رقيب، حي لا يموت كما ادعى نيتشه المخبول والكنيسة من قبله. ويا لجناية وحجاب المفهوم الإناسي  للإسلام الذي يحيل إلى التراكم التاريخي الحضاري الثقافي الذي توَجَّه إليه سهام النقد والنقض في تعميم إيديولوجي مبسط مبسط. بالنصب والكسر. كما يحيل حصرا إلى المسلمين خاصة حين يموج بعضهم في بعض في فترات التاريخ الحالكة. وهل بالضرورة تاريخ الإسلام هو تاريخ المسلمين؟
تجد لسان حال المناضل يردد نفس تحسر المستشرق. فرق ما بينهما أن المستشرق تحسر على كون المغرب أتيحت له في الماضي فرصة الوجود الروماني ولم يستفد منها حضاريا، والحداثي تلميذه وسليله يتحسر على حاضر الحداثة كيف أننا نضيع فرصة الدخول فيها طولا وعرضا ودون قيد أو شرط.
بينما المناضل الإسلامي الذي صار باليميني التاريخي أشبه، يردد في غير تدقيق عبارة "المرجعية" و"ضرورة تفادي الاستفزاز" كأنه ابن جالية في أرض مهجر وليس في أرض "العائلة" أبا عن جد!
كيف السبيل إلى إحياء تلك الرابطة العقلية القلبية باستحضار "باراميتر " نظر الله في الزمن الراهن الحاضر إلى عمل الإنسان الذي يحسب أن لم يره أحد؟
أو يحسب أن النظر الإلهي اقتصر على ناس آخرين في غابر الزمان كانوا من العائلة واليومَ تفرقت بذريتهم السبل وتباعدت الأسفار...فظنوا أن لن يقدر عليهم أحد؟
من وحي برنامج على قناة ثانية في ذكرى أليمة فجَّرَ فيها ظلما وعدوانا وضيقَ أفقٍ بعضٌ من أفراد العائلة – أيا كانوا - أفرادا آخرين من العائلة، فأصبحوا خاسرين!

خواطر عابرة غير موضوعية وغير ذاتية.

"الشر المعبود" أو نقد الأدب للفَنَانِزم*

كان يا ما كان... أنني وقفت إزاء خزانتي باحثا عن نص أعيد قراءته. أجَلْتُ النظرَ في كتبي عسى تعثر عيني على شيء قد راقني في قراءة سابقة، ولعله يعيد علي النشوة الأولى. نشوةً جاهزة ناجزة. غضضت عن كتب اقتنيتها حديثا، لأن جديد القراءة ليس مضمون الترويح. جديد القراءة اقتحام عقبة كؤود، وأنا حاجتي الآن التنزه في سهل أعرفه...  

ما لبثَت عيني أن وقعت على كتيب متوسط الحجم كنت قد طالعته منذ زمن بعيد جدا ومنذئذ وضعته على الرف. وكم تحزنني الكتب المفروغ منها الموضوعة على الرف وقد حط عليه شيء من الغبار. تُرى تسنح قبل الموت فرصة الإعادة. حضورها الصامت يثقل علي، فتسَوِّل لي نفسي إعارتها أو إهداءها كي لا تأسن أفكارُها. ولولا تجربة مريرة فغالب من أعرته كتبا لم يقرأها قط لكنه يسَوِّف إعادتَها. تهاونا في أحسن الأحوال. ولولا تحبيذي أن أهدي من الكتب الجديد. وهل سأعيد قراءتها...

"همس الجنون!"

عنوان الكتيب الذي وجدت. مجموعة قصصية للأديب المصري الغني عن التعريف، نجيب محفوظ، لم تشتهر ربما كثيرا كرواياته. أخذتها من الرف وتصفحت الفهرس دون ترتيب "عبث أرستقراطي"، "الورقة المهلكة" "مفترق الطرق"... ثم وقعت عيني على "الشر المعبود". عنوان شدني لأنني كنت قد رسمت حوله حينها دائرة بقلم من رصاص. كان تنبيها هاما وإنعاشا لذاكرة زمن موغل في غيابات قراءاتي الأولى، حين اكتشفت محفوظ قبل منيف وبينهما كنفاني، أو حين اكتشف جبران في شعره المنثور قبل مطر مرير وبينهما درويش في حضرة الغياب...

"الشر المعبود" إذن قصة موغلة في غابرَيْنِ من الزمان. غابر من زماني أنا، وغابر من زمان مصري ما قبل فرعوني قديم.

وحيث أن مصر أم الدنيا ومراكش العالم العربي كما أسميها وهي نبع الفنون وأهلها ظرفاء ذواقون بامتياز. وحيث أن أول نصوص الإشادة بالحب مصرية بامتياز وليس أفلاطونية كما شاع. وحيث أن الحظر الصارم قائم في زماننا على نقد الفن من زاوية أخلاقية أو دينية وذلك تحت طائلة حملات الشيطنة و"الأخونة" والاتهام بالرجعية والتجديف في حق القديسة-حداثة** فإنني قررت أن أعيد فقط قراءة القصة بصوت عال، على نفسي ومن حين لآخر أطل من النافذة هل يسمعني من أحد...

القصة تدور في مدينة من مدن مصر ما قبل الفراعنة، كان اسمها خنوم. لا يشرح الكاتب لِمَ سُميت المدينة خنوم، محضُ خيال أم كان اسما استقاه من مخطوط أم سُمِّيت به بعد اكتمال أحداث القصة وظهور الخنوم وتصدرها على الساحة العامة...

في المدينة كان قد تأمَّرَ المترفون كالعادة ففسقوا وانتشرت الرذيلة حتى صارت معروفا، بينما رسبت الفضيلة في قعر قليل من النفوس الطيبة، صارت منكرا... فما لبث أن ظهر في المدينة رجل مصلح وعظ الناس وأقنع الحاكم أن تجفيف نبع الفساد خير من علاجه. فبث الإيمان حتى اهتدى الناس وصاروا مطواعين للخير منقادين له، لا تحدثهم نفوسهم بالسوء. مدينة فاضلة ولا خبر عنها لدى أفلاطون ولا الفارابي.

لكن...يا للخسارة الفادحة التي يسببها الصلاح!

فقد تعطلت "المؤسسات" وفشت البطالة والعطالة في أجهزة القضاء والشرطة والمشافي بينما المعابد امتلأت للأسف. ودب الذعر في نفوس رؤوس الناس والقضاة وقادة الشرطة والجيش والأطباء وتنازعوا بينهم خشية أن تنتفي الحاجة إلى جميعِهم أو بعضِهم. ثم لأن الناس كانوا قد أدركوا درجة من الرشد أغناهم عن أي وازع أو رادع خارج أنفسهم فصاروا لا يأبهون لعدالة قاض. كيف ؟ والظلم أصلا غاب. ولا لردع شرطي. كيف؟ والجنوح أصلا انتفى. ولا لكثرة أطباء. كيف والفضيلة والعفاف جففا منابع كثير من الأدواء المرتبطة بالرذائل وجودا وعدما. ولذلك خبت أبهة أصحاب الأبهات من تلقاء نفسها. فلم يرق هؤلاء ذلك، فقد كانوا إلى عهد قريب يُحْمَلون ويُوضَعون حتى رأوا بأن لهم على القوم فضلا!
ولأن الإنسان يمل كل شيء، فيتبرم من المحن، لكنه إلى الملل من النِّعَم أسرع. جلس رؤوس القوم يتداولون الأمر ثم لم يجدوا بدا من إبرام أمر عجيب ومن الإجماع على أن الصلاح غير صالح  للمجتمع بشكل دائم. فما العمل؟

ذات ليلة من الليالي تم استقدام مغنية ذاع صيتها في إحدى مدن وادي النيل المجاورة. كان اسمها تَحَبَ خنوم. فأقاموا لها في قصَبة المدينة الفاضلة مهرجانْ... وغنت الخنوم ورقصت بالتبان... وعم الافتتان... وعاد الناس لسابق الأزمان...

وكما تطرد النقودُ الرديئة النقودَ النفيسة*** من التداول تبعا لقانون المقريزي، فقد خَفَتَ صوت المصلح بعد أن بحَّ، حتى اختفى بالمرة، واختفى ربما اسم المدينة الأصلي وصارت منذئذ مدينة خنوم...
ولم تنته القصة...فقط توقف نجيب عن الكتابة ليكمل القارئ القراءة!

جَلـَدُ "المناضلين" وعجز الحُكَماء

القاعة غاصَّة. فَوََّت علي تأخري وِجْدَانَ مقعد، ورؤيةََ الحاضرين يأتون تباعا، فرأيتهم جملة كأنما رُمِيَت بهم القاعة عن قوس واحدة. كلٌّ يريد أن يرى بعد طول غياب ويسمع جديد شيخ الفلسفة المغربية بل والعربية بلا مبالغة. فلسفة بناء الدليل والتعليل المنشئة للمعرفة، لا تفلسف التهويم والانطباعات المصَففة ولا تفلسفَ الترجمة الحاطبة بليل.
الدكتور طه عبد الرحمن. شيخ العقل، إن صح القول. والقول والعقل لوغوس في آن.
والميثوس؟
ولجتُ المدرج بهيئة أستاذ مبجل، حاملا محفظة، ورغم الاكتظاظ وتَوقُّفِ عديدٍ من الحاضرين قبْلِي لدى الباب، قررت المُضي قدما ولو اقتضى الأمر أن أقتعد إحدى درجات القاعة كدأب النواب الأمريكان في جلسات الأريحية الدستورية، حين تراهم مفترشين بلاط الكونجرس يتداولون مصائر قوم منا تحلقوا حول قِصاع البطنة المذهبة للفطنة يتوسطها جمل مشوي ألقى جرانه على كثيب رُزّْ.
وأنا أنزل الدرجات أتلمس طريقي، أفاجأ بشخص لطيف يتقدم نحوي ويومئ إلي أن أستهدي به، ثم يريني مقعدا على مقربة من المنصة، مكتوبا عليه بالحرف البارز اسم السيد "محجوز". محجوز مَن؟ لو حجزني شيء ما أتيت. أو لِمن؟ لِي! في آخر التحليل ودون تعليل.
ثم استدرت لأرى جمْعَ الذين حبسَهُم الحياء أو التردد أو هيبة المكان على حالهم لدى الباب. لقد حسبني المُنَظِّم دكتورا أو على سبيل "التَّدَكْتُرْ" وحتى من كانوا خلفي ربما من أصحاب المقاعد غير المحجوزة مثلَ مقعدي، ولم يدروا أنني لا هذا ولا ذاك، إنما حضرت هنا فقط من قبيل "اغدُ عالما أو متعلما أو مستمعا أو محبا ولا تكن الخامسة فتهلك!"**
شيخ الفلاسفة جالس عن كثب، عليه سيماء تخلقٍ ما فتئ ينادي به، وحكمةٍ وشيخوخة بادية... شدتني شيخوخته وبثت في نفسي على الفور خشيةً وقلقا. عَقد من الزمن تصرم منذ آخر حضور لي حِصَصَه وأنا أظنها فقط بضعَ سنين.
في البدء كان ذا تخصص رياضي صِرف يروم أن يصير به ربان طائرة. تعذر ذلك لكنه صار ربان فلسفة. ولئن كان ربان الطائرة يتبع خطوطا جوية رسمها غيره، فرباننا الفلسفي انزاح عن خطوط الفلسفة الترجمية المقلدة وشق لنفسه خطا مجددا، فصاغ قوانينه، وأبدع أدلته وأثل مفاهيمه لأن "من يملك أن يسمي الأشياء، يملك السلطان عليها". أصاب نيتشه في هاته...
على سبيل المثال من ذا الذي يستطيع اليوم أن ينازعه إلا أن يكشف سوءته الفكرية، في قانون أن الأصل في الإنسان هو الأخلاقية وليس العقلانية كما ترسخ منذ ديكارت، وذلك لأن الحكم الأخلاقي يُسنَدُ إلى أي فعل من أفعال الإنسان حتى الفعل العقلي***. مثلا.
ولماذا القلق؟
مكثت أتفرس شيخوخته فإذا بي يحضرني مشايخ المغرب الذين يقضون نحبهم تباعا وحاضر المغرب – على الأقل – لا ينتفع بهم كما ينبغي، بل كما لا تبغي له السياسات التعليمية والثقافية المتبعة ولا حتى وسائل الإعلام وهيئات التواصل المتاحة عموما لذوي أضغاث الفهم والمعرفة والسياسة والفن...ولا إراداتنا الفاترة المرتهنة لليومي المسطح؟
لا ننتفع بهم لا اعتقادا لمن رأى رأيهم على واضحة من النظر، ولا انتقادا لمن خالفهم على واضحة من النقد والفكر لكنه لا يعْدَمُ أن يتفحص قناعاته في مرآة معكوسة. فكلٌّ يُؤخذ من كلامه ويُرد إلا صاحب الروض الشريف عليه صلاة الله وسلامه. كان يقول كلاما بيِّنا فصلا يحفظه من جلس إليه، ينشئ عملا لا جدلا.
"صَمَمٌ إذاعي" إذن يلف حياة مشايخنا. وموتَهم أيضا. إلا إسقاطا لواجب إعلان نَعْيِهِم، مقتضبٍ موجز يليه إشهار عريض لمهرجان مُقدس. شيخ تلو شيخ من كل طيف، وعقوق لهم ذات اليمين وذات اليسار. أمة لا تعترف بالحضور إلا لذي سلطان وفقط.
من حديثي عهدٍ بموتٍ، الفقيه وشيخ سوسيولجيا السياسة وأول رئيس حكومة مغربية يُعْتد برئاسته غداة الاستقلال المرحوم عبد الله ابراهيم. وقبله ببعيد مناضل العلماء وشيخ المناضلين وعالمهم المرحوم علال الفاسي صاحب مقاصد الشريعة الغراء ومكارمها وصاحب النقد الذاتي، فمن ينقد ذاته اليوم بل ومن يقلب دولة نفسه. أولا. كما قال الجيلاني. وهناك البداية...
المرحوم محمد عابد الجابري شيخ نقد العقل العربي، من تعسَّل قبل وفاته بمحاولةٍ لتفسير القرآن وقضى في صمت كطول صمته في حياته. ونابغة العربية وشيخها تباعا لخضر غزال ومصطفى النجار. رحمهم الله.
والإمام المربي بامتياز الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله. غطى الكلام والمدادُ الذي أساله الناس حول مطلبه العدلي واختزالُه في معارضة سياسية قيسَتْ بمعارضة الأحزاب، على مطلبه الإحساني، وهو واسطة عقد فكره وبساط مشروعه التربوي الروحي وغايته ومنتهاه. وأن إلى ربك المنتهى.
ومن الأحياء؟
شيخ التاريخ عبد الله العروي، مَن سمعناه يوما يوصى أن يغلق المثقف أحيانا عليه بابه وينسى التاريخ وعقوقَه وما تمخض عن صراعاته من أفكار ومفاهيم، حتى تلك التي صارت أصناما كالعلمانية والليبرالية وباقي المفاهيم، لأنها لم تكن لتتمخض لولا أن الناس اصطكوا بينهم، بل صكَّهُم "الحدث" التاريخي... ثم يقرأ القرآن، "فإن رنَّ فذاك وإن لم يَرنَّ..." وترك الأمر معلقا على ذمة كل فرد، تبرُّءا من كل إمَّعَة يجعل فكره المظروفَ مطية للتيه عن النص المقدس المؤسس تحت شعار تاريخانية تطوق فكرَه ابتداءً ولا تستثنيه. كان ذلك ختام محاضرة حول "السنة والإصلاح." كتابٌ في شكل رسالة إل مثقفة مغرَّبَة يدلها ولو بطريقة متأرجحة كيف تقرأ القرآن. والنجيب يفهم عن أستاذه.
وشيخ المستقبليات والحرب الحضارية المهدي المنجرة الذي يكابد مرضه في صمت وإصمات.
وشيخ اللسانيات وصاحب "الوسائط اللغوية" الأستاذ الأوراغي الذي تضاهي نظريته نظرية شومسكي أو ربما تتجاوزها، بناء وإعمالا وإثمارا.
وشيوخ أكابر آخرون مغمورون مغبونون من كل الألوان و "لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم فإذا أخذوا عن أصاغرهم هلكوا"
الأصاغر من ذوي شبق السياسة والنجومية في مسلسل الانتقال الديمقراطي السرمدي المغربي الذي لا ينتهي، في ليلة لا تنتهي في ساحة لا تنتهي. فقدت السياسة بهم بوصلتها ومعناها القيادي الهدائي – من هداية القوم وسياستهم لما فيه خيرهم – وصارت غايةً بما تتيحه من الحظوة والاقتيات من الضرائب والحصانة من المتابعة. لا رؤية ولا روية، مؤهلهم الوحيد تمرسٌ بشيطان تفاصيل الماكينة الحزبية النقابية تحت مسمى نضال القرب، ويتقدمون المشهد الآن كأن الأمر ليس مصير شعب في ظرف عصيب بل لوحةً تجريدية تجريبية، يمزجون ألوانها كيفما اتفق حتى إذا ماجت وآلت إلى السواد لسوء تقدير كمها وكيفها نادوا بالتحكيم. وليت شعري كيف لقوم لم يحلوا صراعاتهم الشخصية المغلفة بمفردات السياسة أن يحلوا مشاكل مجتمع يغوص في الكراهية والجريمة واغتصاب الطفولة؟
انتشلني من قلقي صوت شيخ الفلسفة المغربية الواثق وفقيهها، يدحض حجة إحدى أخوات العلمانية، عق عنها الفيلسوف باسم الدهرانية وخلاصتها ودعوى أصحابها أنه "بالإمكان إيجاد قديس لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر" كقديس ألبير كامي في رواية "الطاعون".
قديس دنيوي؟ هل يصح بديهة قبل أي تفلسف؟
لكن شيخ الفلسفة كان مستأنفا بناء مشروعه واقفا في وجه من هرعوا إليه، أولَ الأمر، من ذراري العلمانيين المقلدين لحداثةِ غيرهم وقد اكتنفهم الخوف على "سلطتهم المعرفية"، يحاولون ثنيه عن مشروعه الفلسفي الأصيل بحجة أنه سيمد "الإسلاميين الظلاميين" بحجج عقلانية هي حكرُهم وحدَهم وكأن الفلسفة شأن من شؤون العصبية القبلية وليست إعمالا للنظر من أجل الوصول إلى الحق****. وما دروا أنه كان يدق عليهم جدران الخزان الذي حسبوه أوسع ما خلق. خزان النموذج الغربي للحداثة في دورتها الحضارية الآنية، الخانق للإنسان وأخلاقيته، العابر بالإنسان إلى ربع دوَابِّيَّته الخالي، الجاعلِ من الدَّوابية حَصرا أفقَ تقدم الإنسان وتقدميته.
قلق آخر انتابني لدى ختم المحاضرة، وانفضاض الجمع إلى موائد الحلوى والعصير.
هل سيعود الحكيم إلى كتبه ومقامه الزكي الصامت وتبقى الساحة مرتعا لكل ذي جَلـَدٍ وفوران؟
هل يداوينا الصمت وتصَرُّمُ الزمان؟


* في الأصل دعاء سيدنا عمر رضي الله عنه " اللهم أشكو إليك جَلـَدَ الفاجر وعجز التقي"
** حديث نبوي شريف
*** محور كتابه "سؤال الأخلاق"
**** من مقدمة كتابه "تجديد المنهج في تقويم التراث"